وَقَالَ آخَرُونَ: لَا صِفَةَ لِذَلِكَ غَيْرَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ بِمَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تُوصِلُ إِلَى إِقَامَةِ حَدِّ اللَّهِ مَعَهَا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: غَيْرُ جَائِزٍ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ، فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الْحَدَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ، فَكِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ أَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَى حُكْمِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا دَلَالَتُكَ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَائِذِ بِالْبَيْتِ إِذَا أَتَاهُ مُسْتَجِيرًا بِهِ مِنْ جَرِيرَةٍ جَرَّهَا أَوْ مِنْ حَدٍّ أَصَابَهُ مِنَ الْحَرَمِ جَائِزٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَأَخَذِهِ بِالْجَرِيرَةِ، وَقَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ مَنْ دَخَلَهُ آمِنًا، وَمَعْنَى الْآمِنِ غَيْرُ مَعْنَى الْخَائِفِ، فِيمَا هُمَا فِيهِ مُخْتَلِفَانِ؟
قِيلَ: قُلْنَا ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَائِذِ بِهِ مِنْ جَرِيرَةٍ أَصَابَهَا أَوْ فَاحِشَةٍ أَتَاهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنْهُ بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِخْرَاجِ لِأَخْذِهِ بِمَا لَزِمَهُ، وَاجِبٌ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعَهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ مِنْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: السَّبَبُ الَّذِي يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ بِهِ مِنْهُ تَرْكُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَتَهُ وَإِطْعَامَهُ وَسَقْيَهُ وَإِيَواءَهُ وَكَلَامَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَا قَرَارَ لِلْعَائِذِ بِهِ فِيهِ مَعَ بَعْضِهَا، فَكَيْفَ مَعَ جَمِيعِهَا؟