تَعَالَى، وإنما قال معظم غرضهم لأن من الغرض ما يتعلق بالدُّنْيَا من الثبات في الحق
والْإسْلَام والاعتبار بين الأنام، ويحتمل أن يكون الْمَعْنَى أن معظم غرضهم ما يتعلق بالْآخرَة
من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الْآخرَة من الحساب والْجَزَاء، ولا ريب في أن المقصود
من هذا الفوز إلَى المطلوب والنجاة عن الهلاك في ذلك اليوم (فإنها المقصد والمآل) .
قوله: (فإن الْإلَهيَّة تنافيه) لأن خلاف الميعاد نقص مناف للكمال الذي هُوَ مقتضى
الْأُلُوهيَّة وقد قال تَعَالَى: (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) لامتناع الخلف في خبره
فيقع ذلك اليوم الجامع للحساب والْجَزَاء فنسألك يا ربنا التهيؤ له والاستعداد لوصول
رحمتك في دار كرامتك يا واسع الغفران ويا قديم الإحسان.
قوله: (وللإشعار به) أي بأن الْإلَهيَّة تنافي الاخْتلَاف(وتعظيم الموعود به لون
الخطاب)واللام متعلقة بلون الخطاب أي غير الْكَلَام من الخطاب وهو قولهم إنك إلَى
الغيبة وهو لفظة الجلال أي مقتضى الظَّاهر أن يقولوا إنك لا تخلف الميعاد لكنه عدل عنه
إلى الاسم المظهر بغير لفظ الرب المتقدم ذكره للإشعار بأن الحكم مترتب عَلَى ما يدل
عليه اسم الله كما في التعليق بالوصف لأن لفظ الجلال وصف عند المصنف حيث قال في
تفسير الْبَسْمَلَة والحق أنه وصف في الأصل لكنه لما غلب عليه إلَى قَوْله ولأنه لو دل عَلَى
مجرد ذاته الْمَخْصُوصة لما أفاد ظَاهر قَوْلُه تَعَالَى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ)
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: فإن الْإلَهيَّة تنافيه. هذا الْمَعْنَى مُسْتَفَاد من ترتيب الحكم عَلَى الوصف الْمُنَاسب كقولهم
الجواد لا يخيب سائله، ومعنى الوصف هنا وإن كان مهجورًا بعد جعل لفظة الله علمًا عَلَى الذات
الواجبة تَعَالَى فإنهم قد يلاحظون الْمَعَاني المهجورة لنكتة كما في قوله:
لا تَعجَبي يا [سَلمُ] مِنْ رَجُلٍ ... ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكى
فإنه قابل البكاء بالضحك الحقيقي وليس الْمُرَاد بالضحك حَقيقَة والمقابلة إنما هي بين
الضحك والبكاء الحقيقين فقوبل به وإن كانت الْحَقيقَة مهجورة رعاية لصناعة الطباق نظرًا إلَى
الْمَعْنَى المهجور.
قوله: وللإشعار به وتعظيم الموعود. أي وللإشعار بمعنى العلية التي أفادها ترتيب الحكم عَلَى
الوصف المناسب والتعظيم الموعود به كرر الخطاب بلفظ (ربنا) خاطبوا أولا بقولهم:(ربنا لا تزغ
قلوبنا)إلَى قَوْلهم: (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) وثانيًا لقولهم(ربنا إنك
جامع النَّاس)إلَى قَوْلهم (إن اللَّه لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) دلالة عَلَى أن
الربوبية تنافي خلف الميعاد لمربوبه، فإنه لو قيل إنك لا تخلف الميعاد لدل تكرير الخطاب عَلَى معنى
العلية وعلى تعظيم الموعود به معنى التعظيم مُسْتَفَاد من الاهتمام المفهوم من تكرير الخطاب. أقول: كان
الأولى عليه أن يقول كرر الخطاب بلفظ (ربنا) لأن أخذ معنى العلية من مجرد تكرير الخطاب مشكل
متعذر. اللهم إلا أن يراد بالخطاب الخطاب الْمَخْصُوص بقرينة سبق الذكر.