فالجواب: ما قاله أبو عبيد، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله عز وجل للمؤمنين، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم.
والقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج.
على أنَّ الفرَّاء قال: يجوز أن يكون التقليل الذي ذُكِر في الأنفال لم يكن من طريق تقليل العَدَد، ولكن معناه: التهوين، كما تقول: (إني لأرى كثيرَكم قليلًا) ، أي: قد هُوِّن علي، لا أنك ترى الثلاثةَ اثنين. وإذا كان كذلك صَحَّ تكثيرُ الله المسلمين في أعين الكافرين، على ما ذكرنا.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر. ونَصْرٌ بالحُجَّة. ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة.
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} العِبْرَة: الاعتبار، وهي: الآية التي يُعْبَر بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهلَه، وواصلٌ إلى عِلْمِهِ بما رأى.
وأصلُه من: (العُبُور) ، وهو: النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر. ومنه: (العِبارة) وهو: الكلام الذي يَعْبرُ بالمعنى إلى المخاطَب، و (عبارة الرُّؤْيا) من ذلك؛ لأنه تفسير لها، يَعْبُر بها من حال النَوْم إلى حال اليَقَظَةِ بإظهار التأويل.
وقوله تعالى: {لِأُولِي الْأَبْصَارِ} أي: لأولي العقول؛ كما يقال: (لِفُلانٌ بَصَرٌ بهذا الأمر) ، أي: على علم ومعرفة. وليس بالأبصار التي يشترك فيها سائرُ الحيوان. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 77 - 90} .