ويندرج فِي علم التوحيد كل العلوم كما قال: {وعلم ادم الأسماء كلها} [البقرة: 31] فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية ، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل ، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها . ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار ، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى ، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك . وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب فِي الميثاق . فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق ، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق ، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق ، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق . فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال {فذكر إنما أنت مذكر} [الغاشية: 21] فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال {وما يذكر إلا أولوا الألباب} إنما يتذكر أولوا الألباب {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا {بعد إذ هديتنا} إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل ، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل ، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا {وهب لنا من لدنك رحمة} تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك {إنك أنت الوهاب} . وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن فِي مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً . وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه ، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار