ولا بد أن نقف عند قوله تعالى {بالحق} .. فهو القول الفصل بأن الحق هو ما جاء به الكتاب ؛ وأن هذا الحق قد أنزل ليكون هو الحكم العدل ، والقول الفصل ، فيما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينهم.. لا حق غيره. ولا حكم معه. ولا قول بعده. وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد ؛ وبغير تحكيمه فِي كل ما يختلف فيه الناس ؛ وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا مماحكة ولا اعتراض.. بغير هذا كله لا يستقيم أمر هذه الحياة ؛ ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة ؛ ولا يقوم على الأرض السلام ؛ ولا يدخل الناس فِي السلم بحال.
ولهذه الحقيقة قيمتها الكبرى فِي تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس تصوراتهم وشرائعهم ؛ والتي ينتهون إليها فِي كل ما يشجر بينهم من خلاف فِي شتى صور الخلاف.. إنها جهة واحدة لا تتعدد هي التي أنزلت هذا الكتاب بالحق ؛ وهو مصدر واحد لا يتعدد هو هذا الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه..
وهو كتاب واحد فِي حقيقته ، جاء به الرسل جميعاً. فهو كتاب واحد فِي أصله ، وهي ملة واحدة فِي عمومها ، وهو تصور واحد فِي قاعدته: إله واحد ، ورب واحد ، ومعبود واحد ، ومشرّع واحد لبني الإنسان.
.ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال ؛ ووفق أطوار الحياة والارتباطات ؛ حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام ، وأطلق الحياة تنمو فِي محيطها الواسع الشامل بلا عوائق. بقيادة الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة فِي حدود ذلك المحيط الشامل الكبير.