تِلْكَ الْأَطْوَارُ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَمُرَّ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ كَمَالَهَا ، وَتَنَالَ تَفْصِيلَهَا وَإِجْمَالَهَا ، وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يُضَايِقُ مَا اخْتَرْنَاهُ ، وَلَا يَبْعُدُ عَمَّا قَرَّرْنَاهُ ، وَمَكَانَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الرِّسَالَةِ لَا تُزْعِجُ صَاحِبَ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَا تُلْصِقُ بِهِ شُذُوذًا أَبْعَدَ مِنْ شُذُوذِ مَنْ قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى الْحَقِّ مُتَّفِقِينَ ، ثُمَّ كَانَ الْخِلَافُ إِثْرَ بِعْثَةِ النَّبِيِّينَ ، وَلَا شُذُوذِ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ هُمْ آدَمُ كَمَا عَلِمْتَ; فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ رِسَالَةَ آدَمَ لَمْ تُعْلَمْ بِمَ كَانَتْ ؟ وَإِلَى مَنْ كَانَتْ ؟ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِأُمُورٍ تَتَّفِقُ مَعَ تِلْكَ السَّذَاجَةِ الْأُولَى إِلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَبْنَائِهِ ، ثُمَّ نُسِيَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ بَلَغَهُ ، وَجُهِلَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ ، عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (2: 30) مِنْ رَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُنَاسٍ مَعَهُ مِنْ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَ فِيهَا عُمَّارٌ يَعْمَلُونَ فِيهَا مَا يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ ، يُسْمَحُ لِصَاحِبِ التَّأْوِيلِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ بَنِيهِ كَانُوا فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ كَوَلَدِ نُوحٍ ، وَإِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مَعْمُورَةً مِنْ قَبْلِهِ بِأَقْوَامٍ فِيهِمْ تِلْكَ الصِّفَاتُ الْبَشَرِيَّةُ ثُمَّ انْقَرَضُوا وَخَلَفَهُمْ آدَمُ ، كَمَا تَنْقَرِضُ أُمَّةٌ وَتَخْلُفُهَا أُمَّةٌ ، يُهْلِكُ اللهُ صِنْفًا وَيُنْشِئُ آخَرَ ، وَالنَّوْعُ وَاحِدٌ ، وَلَا