وقول الحق:"وتزودوا"والزاد: هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره ، وكان هذا أمراً مألوفا عند العرب قديما ؛ لأن المكان الذي يذهبون إليه ليس فيه طعام. وكل هذه الظروف تغيرت الآن ، وكذلك تغير عادات الناس التي كانت تذهب إلى هناك. كانت الناس قديماً تذهب إلى الحج ومعها أكفانها ، ومعها ملح طعامها ، ومعها الخيط والإبرة ، فلم يكن فِي مكة والمدينة ما يكفي الناس ، وأصبح الناس يذهبون الآن إلى هناك ليأتوا بكماليات الحياة ، وأصبحت لا تجد غرابة فِي أن فلانا جاء من الحج ومعه كذا وكذا. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل من كل ذلك إيذانا بأنه أخبر قديما يوم كان الوادي غير ذي زرع فقال:
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ
(من الآية 57 سورة القصص)
وانظر إلى دقة الأداء القرآني فِي قوله:"يحبى"ومعناها يؤخذ بالقوى وليس باختيار من يذهب به ، فكأن من يذهب بالثمرات بكل ألوانها إلى هناك مرغم أن يذهب بها ، وهو رزق من عند الله ، وليس من يد الناس. وهذا تصديق لقوله تعالى:
وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ
(من الآية 37 سورة إبراهيم)
وقوله الحق:"وتزودوا"مأخوذة - كما عرفنا - من الزيادة ، والزاد هو طعام المسافر ، ومن يدخر شيئا لسفر فهو فائض وزائد عن استهلاك إقامته ، ويأخذه حتى يكفيه مئونة السؤال أو الاستشراف إلى السؤال ؛ لأن الحج ذلة عبودية ، وذلة العبودية يريدها الله له وحده. فمن لا يكون عنده مئونة سفره فربما يذل لشخص آخر ، ويطلب منه أن يعطيه طعاما ، والله لا يريد من الحاج أن يذل لأحد ، ولذلك يطلب منه أن يتزود بقدر حاجته حتى يكفي نفسه ، وتظل ذلته سليمة لربه ، فلا يسأل غير به ، ولا يستشرق للسؤال من الخلق ، ومن يسأل أو يستشرق فقد أخذ شيئا من ذلته المفروض أن تكون خالصة فِي هذه المرحلة لله وهو يوجهها للناس ، والله يريدها له خالصة.