وإن لم يعط الناس السائل والمستشرق للسؤال فربما سرق أو نهب قدر حاجته، وتتحول رحلته من قصد البر إلى الشر. وكان بعض أهل اليمن يخرجون إلى الحج بلا زاد ويقولون:"نحن متوكلون، أنذهب إلى بيت الله ولا يطعمنا؟". ثم تضطرهم الظروف لأن يسرقوا، وهذا سبب وجود النهب والسرقة فِي الحج. إن إلحاح الجوع قد يدفع الإنسان لأن ينهب ويسرق ليسد حاجته. ومن هنا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على النفس البشرية هذا الشر فقال:"وتزودوا"إنه أمر من الله بالتزود فِي هذه الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه وعن معارفه، ويقول سبحانه:"فإن خير الزاد التقوى"ونعرف أن الزاد هو ما تقي به نفسك من الجوع والعطش، وإذا كان التزود فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء فيها، ألا تحتاج إلى زاد أكبر؟ فكأن الزاد فِي الرحلة الفانية يعلمك أن تتزود للرحلة الباقية.
إذن فقوله:"فإن خير الزاد التقوى"يشمل زاد الدنيا والآخرة. والله سبحانه وتعالى يذكرنا بالأمور المحسة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية، ولكن إذا نظرت بعمق وصدق وحق وجدت الأمور المعنوية أقوى من الأمور الحسية. ولذلك نلاحظ فِي قوله سبحانه وتعالى:
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً
(من الآية 26 سورة الأعراف)
هذا أمر حسي. ويفيدنا ويزيدنا سبحانه"ريشاً"إنه - سبحانه - لا يواري سوءة فقط، وإنما زاد الأمر إلى الكماليات التي يتزين بها، وهذه الكماليات هي الريش، أي ما يتزين به الإنسان، ثم قال الحق:
وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ
(من الآية 26 سورة الأعراف)