والحق سبحانه وتعالى يقول:"وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى". فبعد أن نهانا الحق بقوله:"فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فِي الحج"وتلك أمور سلبية وهي أفعال على الإنسان أن يمتنع عنها ، وهنا يتبع الحق الأفعال السلبية بالأمر بالأفعال الإيجابية ، أفعال الخير التي يعلمها الله. إن الله يريد أن نجمع فِي العبادة بين أمرين ، سلب وإيجاب ، سلب ما قال عن الرفث والفسوق والجدال ، ويريد أن نوجب ونوجد فعلا."وما تفعلوا من خير يعلمه الله". وما هو ذلك الخير ؟ إنها الأمور المقابلة للمسائل المنهي عنها ، فإذا كان الإنسان لا يرفث فِي الحج فمطلوب منه أن يعف فِي كلامه وفي نظرته وفي أسلوبه وفي علاقته بامرأته الحلال له ، فيمتنع عنها ما دام محرماً ويطلب منه أن يفعل ما يقابل الفسوق ، من بر وخير
وفي الجدال نجد أن مقابله هو الكلام بالرفق والأدب واللين وبحلاوة الأسلوب وبالعطف على الناس ، هذا هو المقصود بقوله:"وما تفعلوا من خير يعلمه الله". وكلمة من قوله"من خير"للابتداء ، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تصنع خيراً وهو سبحانه يرى أقل شيء من الخير ؛ ولذلك قال:"يعلمه الله". فكأنه خير لا يراه أحد ؛ فالخير الظاهر يراه كل الناس ، والتعبير بـ"يعلمه الله"أي الخير مهما صغر ، ومهما قل فإن الله يعلمه ، وكثير من الخيرات تكون هواجس بالنية ، ويجازي الله على الخير بالجزاء الذي يناسبه.