مَا جَاءَنَا مِنْ أَنْبَاءِ الْأُمَمِ وَمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ آثَارِهِمْ وَمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ حَالِ بَعْضِهِمُ الْيَوْمَ يَشْهَدُ شَهَادَةً لَا يَرْتَابُ فِيهَا مَنْ أُدِّيَتْ إِلَيْهُ أَنَّ الْعِنَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ سَارَتْ بِالْإِنْسَانِ فِي جَمَاعَتِهِ كَمَا سَارَتْ بِهِ فِي أَفْرَادِهِ ، يَخْلُقُ اللهُ الْفَرْدَ مِنَ الْبَشَرِ ضَعِيفَ الْقُوَّةِ فَاقِدَ الْعِلْمِ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (16: 78) ثُمَّ أَبَوَاهُ أَوْ مَنْ يَكْفُلُهُ سِوَاهُمَا يَقُومُ عَلَيْهِ يُقَوِّي بِنْيَتَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ مَا عَسَاهُ يَهْدِمُهَا ، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَسْمَعُ وَكَيْفَ يَنْظُرُ وَكَيْفَ يَتَّقِي بِبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ مَا تُخْشَى عَاقِبَةُ وَقْعِهِ ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ حَدًّا مَعْلُومًا يَكُونُ فِيهِ الْحِسُّ قَدْ أَعَدَّهُ لِاسْتِعْمَالِ قُوَّةٍ أُخْرَى كَانَتْ لَا تَزَالُ قَاصِرَةً فِيهِ وَهِيَ قُوَّةُ الْعَقْلِ ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَكِّرَ فِيمَا مَضَى وَيَنْظُرَ فِيمَا حَضَرَ; لِيَعْرِفَ مِنْهَا كَيْفَ يَسْلُكُ فِي عَمَلِهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ ، فَكَمَالُ اسْتِعْدَادِ الْعَقْلِ لِلنَّظَرِ فِي شُئُونِ الشَّخْصِ هُوَ مُنْتَهَى نُمُوِّ الْقُوَى الْمُدْرِكَةِ ، كَمَا أَنَّ وُصُولَ الْبِنْيَةِ إِلَى الْحَدِّ الْمَعْرُوفِ فِي السِّنِّ الْمَعْلُومَةِ هُوَ مُنْتَهَى نُمُوِّ الْبَدَنِ ، تِلْكَ السِّنُّ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِسِنِّ الرُّشْدِ .