لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَنَاوَلِ قُوَّةِ الصَّبِيِّ فِي زَمَنِ الصِّبَا الْإِحَاطَةُ بِكُنْهِ الْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا وَضَعَ اللهُ فِيهَا مِنَ الرَّوَابِطِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَعَانِي الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا بِنْيَةُ الِاجْتِمَاعِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَوْقِ مَدَارِكِهِ أَنْ تَخْتَرِقَ هَذَا الْكَوْنَ الْمَحْسُوسَ لِتَصِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ
مُكَوِّنِهِ ، وَيُشْرِقُ عَلَيْهَا نُورُ وُجُودِهِ الْبَاهِرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ كُلُّ هَمِّ الصَّبِيِّ مُنْصَرِفًا إِلَى تَغْذِيَةِ جِسْمِهِ وَرِيَاضَةِ قُوَاهُ الْبَدَنِيَّةِ ، وَلَا يُبَالِي بِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الْعَالِيَةِ لَمْ يَتَمَثَّلْهَا ذِهْنُهُ إِلَّا فِي صُوَرٍ مِنَ الْخَيَالِ هِيَ إِلَى الْبَاطِلِ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الْحَقِّ ، كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ طِفْلًا ثُمَّ صَارَ صَبِيًّا ثُمَّ بَلَغَ سِنًّا عَرَفَ نَفْسَهُ فِيهَا رَجُلًا عَاقِلًا ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْإِطَالَةِ فِيهِ .
عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ قَادَتِ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ جَمَاعَةَ الْبَشَرِ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ قَضَتْ بِأَنْ يَحْيَا الْإِنْسَانُ إِلَى أَجَلِهِ الْمَحْدُودِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ نَوْعِهِ كَمَا قَدَّمْنَا لَا مَنَاصَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ ، هَذِهِ الْجَمَاعَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى أُمَّةً كَمَا عَرَفْتَ ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تُسَمِّيَهَا بِنْيَةَ الِاجْتِمَاعِ ، وَتُسَمِّيَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ تِلْكَ الْبِنْيَةِ ، فَكَمَا يَنْشَأُ الْفَرْدُ قَاصِرًا فِي جَمِيعِ قُوَاهُ ضَعِيفًا فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ ، كَذَلِكَ