لَكِنْ قَدْ يَشُوبُ طَلَبُ الْحَقِّ شَيْءٌ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي عِزَّةِ الرِّيَاسَةِ أَوْ مَيْلٍ مَعَ أَرْبَابِهَا أَوْ خَوْفٍ مِنْهُمْ أَوْ شَهْوَةٍ خَفِيَّةٍ فِي مَنْفَعَةٍ أُخْرَى فَيَلِجُ ذَلِكَ بِصَاحِبِ الرَّأْيِ حَتَّى يَكُونَ شِقَاقٌ ، وَيَحْدُثَ افْتِرَاقٌ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الشَّوْبَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلْحُوظٍ لِصَاحِبِهِ ، بَلْ دَخَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ فَهُوَ مِنَ الْبَغْيِ عَلَى حَقِّ اللهِ فِي عِبَادِهِ أَوَّلًا ، وَالْبَغْيِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّذِينَ جَاءَ الْكِتَابُ لِتَعْزِيزِ الْوِفَاقِ بَيْنَهُمْ ثَانِيًا ، وَأَمَّا الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ فَلَا جَرِيمَةَ لَهُمْ فِي هَذَا; وَلِذَلِكَ جَاءَ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فَإِذَا كَانَ الرُّؤَسَاءُ قَدْ جَنَوْا هَذِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ وَعَلَى النَّاسِ بِسَبَبِ الْبَغْيِ الْخَاصِّ بِهِمْ ، فَهَلْ هَذَا يَقْدَحُ فِي هِدَايَةِ الْكِتَابِ إِلَى مَا يَتَّفِقُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَيَرْتَفِعُ بِهِ النِّزَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ؟ كَلَّا ؛ فَقَدْ رَأَيْنَا كُلَّ دِينٍ فِي بَدْءِ نَشْأَتِهِ يُقَرِّبُ الْبَعِيدَ وَيَجْمَعُ الْمُتَشَتَّتَ وَيَلِمُّ الشَّعَثَ وَيَمْحَقُ أَسْبَابَ الْخِلَافِ مِنَ النُّفُوسِ وَيُقَرِّرُ بَيْنَ الْآخِذِينَ بِهِ أُخُوَّةً لَا تُدَانِيهَا أُخُوَّةُ النَّسَبِ فِي شَيْءٍ ، وَهَلْ يُؤْثِرُ الْأَخُ فِي النَّسَبِ أَخَاهُ بِمَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ