كَانَ آلَةُ الْمُبْطِلِينَ فِي تِلْكَ الْمَشَاغِبِ إِلَّا دَعْوَى الدِّينِ ، وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَخَاطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ ، وَمَا كَلِمَةُ الدِّينِ وَدَعْوَى تَأْيِيدِ الْكِتَابِ إِلَّا وَسَائِلُ لِإِرْضَاءِ الشَّهْوَةِ وَتَمْكِينِ الظَّالِمِ مِنَ السَّطْوَةِ .
ثُمَّ هُنَاكَ دَاعٍ آخَرُ لِلْخِلَافِ ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْقَوْمِ فِي فَهْمِ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ ، فَكَلٌّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُعْتَقَدَ كَذَا ، وَرُبَّمَا كَانَ حَسَنَ النِّيَّةِ فِيمَا يَقُولُ ، وَيُعِدُّ الْمُخَالِفَ مُخْطِئًا فِيمَا يَزْعُمُ ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِكُلٍّ مِنْهُمُ التَّعَصُّبُ لِرَأْيهِ ، فَيَذْهَبُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمَيْلَ إِلَى تَأْيِيدِ الْمَذْهَبِ ، وَتَقْرِيرِ الْمَشْرَبِ ، بِدُونِ رِعَايَةٍ لِلدَّلِيلِ وَلَا نَظَرَ إِلَى الْبُرْهَانِ ، فَلَمْ يَسْتَفِدِ النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَنُزُولِ الْكُتُبِ إِلَّا حُدُوثَ سَبَبٍ جَدِيدٍ لِلْخِلَافِ لَمْ يَكُنْ ، وَإِلَّا مَوْضُوعًا لِلشِّقَاقِ
كَانَ الْعَالَمُ فِي سَلَامَةٍ مِنْهُ ، فَمَا فَائِدَةُ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَكَيْفَ يَمُنُّ اللهُ عَلَى النَّاسِ بِأَمْرٍ لَمْ يَزِدْهُمْ إِلَّا شَقَاءً ، وَلَمْ يُكْسِبْ بَصَائِرَهُمْ إِلَّا عَمَاءً ؟ !
أَرَادَ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ عَلَى هَذَا الظَّنِّ وَيُبَيِّنَ وَجْهَ الْخَطَأِ فِيهِ فَقَالَ: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) إِلَخْ ، وَحَاصِلُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ غَرَائِزَ الْبَشَرِ وَحْدَهَا لَيْسَتْ كَافِيَةً فِي تَوْجِيهِ أَعْمَالِهِمْ