فَلَمَّا كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا بِمُقْتَضَى فِطَرِهِمْ إِلَّا كَذَلِكَ ، وَهُمْ إِنَّمَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى آرَائِهِمْ ، وَيَنْحَوْنَ فِي أَعْمَالِهِمْ نَحْوَ الْمَنَافِعِ الَّتِي يُرَوْنَهَا لَازِمَةً لِقِوَامِ مَعِيشَتِهِمْ ، وَلَنْ يُمْنَحُوا مِنْ قُوَّةِ الْإِلْهَامِ مَا يُعَرِّفُ كُلًّا مِنْهُمْ وَجْهَ الْمُصْلِحَةِ فِي حِفْظِ حَقِّ غَيْرِهِ ، لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ ، لَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، وَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَتَرْتِيبُ بَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَى وَحْدَةِ الْأُمَّةِ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: أَنَّ النَّاسَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يَعِيشُوا تَحْتَ نِظَامٍ وَاحِدٍ يَكْفُلُ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مُدَّةَ بَقَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَيَضْمَنُ لَهُمْ مَا بِهِ يَسْعَدُونَ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ فِي هَذِهِ الْوَحْدَةِ وَمَعَ تِلْكَ الْوَصْلَةِ اللَّازِمَةِ بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَحْدِيدِ ذَلِكَ النِّظَامِ مَعَ اخْتِلَافِ الْفِطَرِ وَتَفَاوُتِ الْعُقُولِ وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الْإِلْهَامِ الْهَادِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ ، لَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ مِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِذَا لَزِمَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا حُدِّدَ لَهُ وَاكْتَفَى بِمَا لَهُ مِنَ الْحَقِّ ، وَلَمْ