وقوله: {وأنزل معهم الكتاب} ، الإنزال: حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل، وهو هنا مجاز فِي وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه، وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل فِي جانب له علو منزلة.
وأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولمن جاء مؤيداً لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى.
والكتاب هو المكتوب، وأطلق فِي اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة فِي وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى: {الم ذلك الكتاب} البقرة: 1 2] على أحد الوجهين المتقدمين هنالك، وقد يكون مجازاً على الوجه الآخر، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية.
والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان، لأن حقيقة المعية هي المقارنة فِي المكان وهي المصاحبة، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} طه: 20] وفي الحديث"ومعك روح القدس".
والتعريف فِي الكتاب للاستغراق، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك.
وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب، لأن المفرد والجمع فِي مقام الاستغراق سواء، وقد تقدم مع ما فِي الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد، وجوز صاحب"الكشاف"كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 302 - 303}