وروى أبو داود - بإسناده من طريق آخر - إلى ابن عباس. قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة فِي الموسم والحج ، يقولون: أيام ذكر. فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} ..
وفي رواية عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نُكري. فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت ، وتأتون بالمعروف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} .
وفي رواية عن أبي صالح مولى عمر (رواها ابن جرير) قال: قلت: يا أمير المؤمنين. كنتم تتجرون فِي الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا فِي الحج؟
وهذا التحرج الذي تذكره الروايتان الأوليان من التجارة ، والتحرج الذي تذكره الرواية الثالثة عن الكراء أو العمل بأجر فِي الحج.. هو طرف من ذلك التحرج الذي أنشأه الإسلام فِي النفوس من كل ما كان سائغاً فِي الجاهلية ، وانتظار رأي الإسلام فيه قبل الإقدام عليه. وهي الحالة التي تحدثنا عنها فِي أوائل هذا الجزء ، عند الكلام عن التحرج من الطواف بالصفا والمروة.
وقد نزلت إباحة البيع والشراء والكراء فِي الحج ، وسماها القرآن ابتغاء من فضل الله:
{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} ..
ليشعر من يزاولها أنه يبتغي من فضل الله حين يتجر وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق: إنه لا يرزق نفسه بعمله.