ومن زعم أن المراد به مطلق اللبث ولو في غير المسجد، نظر إلى أصل معناه اللغوي فقد قدم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية وهو خلاف ما تقرر في الأصول، بل خلاف ما عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً، ولو كان الاعتكاف المشروع هو مجرد اللبث ولو في غير المسجد لكان اللابث في داره وفي سوقه وفي المصاطب ونحوها معتكفاً إذا حصلت منه النية، وهذا خلاف ما في القرآن الكريم، وخلاف ما ثبت تواتراً في السنة المطهرة، وخلاف ما فهمه المسلمون من هذه العبادة، بل خلاف ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله كما في سنن سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود قال: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال: إلا في مسجد جماعة .
وأما ما فهمه بعض الناس من جواز الوطء للمعتكف في غير المسجد فيرده ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، وقد تقرر أن قول الصحابي"من السنة"أو السنة له حكم
الرفع، وهذا الحديث كما يدل على تحريم الوطء على المعتكف يدل على أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع فهو يرد عليه من جهتين، وقد ذكر الشوكاني الكلام على هذا الحديث في شرحه على المنتقى فليرجع إليه.