ويجوز أنَّ تكون"إِذَا"شرطيَّةً؛ فيكون جوابُها وجوابُ"إِنْ"محذوفَيْن، وتحقيقُه أَنَّ جوابَ"إِنْ"مقدرٌ، تقديرُه:"كُتِبَ الوصيَّةُ على أحدِكُمْ إذا حضره الموتُ، إنْ ترك خَيْراً، فَلْيُوصِ"، فقوله:"فَلْيُوصِ"جواب لـ"إِنْ"؛ حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، ويكون هذا الجوابُ المقدَّر دالاًّ على جواب"إِذَا"فيكون المحذُوف دالاًّ على محذوف مثله.
وهذا أَوْلَى مِنْ قَوْل من يَقُولُ: إنَّ الشَّرط الثَّاني جواب الأَوَّل، وحُذِفَ جواب الثَّاني، وأولى أيضاً مِنْ تقدير مَنْ يقدِّره فِي معنى"كُتِبَ"ماضي المعنى، إلاَّ أن يؤوِّله بمعنَى:"يتوجَّه علَيْكُمْ الكَتْبُ، إن تَرَكَ خَيْراً".
قوله"الوَصِيّة"فيه ثلاثةُ أوجُهٍ:
أحدها: أن يكُونَ مبتدأً، وخبره"لِلْوَالِدَيْنِ".
والثاني: أنَّهُ مفعول"كُتِبَ"، وقد تقدَّم.
والثالث: أنَّهُ مبتدأٌ، خبره محذوف، أي:"فعلَيْهِ الوصيَّةُ"، وهذا عند مَنْ يجيزُ حذف فاء الجَوابِ، وهو الأخفشُ؛ وهو محجوجٌ بنقل سيبَوَيْهِ.
فصل فِي المراد من حضور الموت.
قوله {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} ليْس المرادُ منْه معاينةَ الموْتِ؛ لأَنَّ ذلك الوقْت يكُون عاجزاً عن الإيصاء، ثم ذكر فِي ذلك وجهَين:
أحدهما: وهو المَشهور أنَّ المرادَ حُضُور أمارةِ المَوت؛ كالمَرَض المَخُوف؛ كما يقال فيمن يخافُ علَيه المَوْت حَضَرهُ المَوْتُ ويقالُ لِمَنْ قارب البَلَد:"وَصَلَ"؛ قال عنترة: [الوافر]
921 -وَإِنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إِذَا ما ... وَصَلْتُ بَنَانَها بِالْهِنْدُوَانِي
وقال جَرِيرُ، يهْجُو الفَرَزدَق [الوافر]
922 -أَنَّا الْمَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ... فَلَيْسَ لِهَارِبٍ مِنِّي نَجَاءٌ