ثُمَّ قَالَ: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ: أَدَّاهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَقْوَمِهِ وَأَدَامَهَا ، وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرُّوحَانِيُّ الرَّكِينُ لِلْبِرِّ ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُكَرِّرُ الْقُرْآنُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا لَا تَتَحَقَّقُ بِأَدَاءِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا فَقَطْ . وَإِنْ جَاءَ بِهَا الْمُصَلِّي تَامَّةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ ; لِأَنَّ مَا يَذْكُرُونَهُ هُوَ صُورَةُ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتُهَا ، وَإِنَّمَا الْبِرُّ وَالتَّقْوَى فِي سِرِّ الصَّلَاةِ وَرُوحِهَا الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُهَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، وَقَلْبِ الطِّبَاعِ السَّقِيمَةِ ، وَالِاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِالْغَرَائِزِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (70: 19 - 22) فَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَطَهَّرَتْ نَفْسُهُ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ، وَمِنَ الْبُخْلِ وَالْمَنْعِ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ ، وَكَانَ شُجَاعًا كَرِيمًا قَوِيَّ الْعَزِيمَةِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ لَا يَرْضَى بِالضَّيْمِ ، وَلَا يَخْشَى فِي الْحَقِّ الْعَذْلَ وَاللَّوْمَ ; لِأَنَّهُ بِمُرَاقَبَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي صَلَاتِهِ ، وَاسْتِشْعَارِهِ عَظَمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ الْأَعْلَى فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ يَكُونُ اللهُ تَعَالَى غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ ، فَلَا يُبَالِي مَا لَقِيَ مِنَ الشَّدَائِدِ فِي سَبِيلِهِ ، وَمَا أَنْفَقَ مِنْ فَضْلِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ، وَصُورَةُ الصَّلَاةِ لَا تُعْطِي صَاحِبَهَا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي ، فَلَيْسَتْ بِمُجَرَّدِهَا