وعبارة المراغي هنا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} ؛ أي: فمن ألجئ إلى أكل شيء حيث حرم الله عليه بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه، ولم يكن راغبًا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة .. فلا إثم عليه؛ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة أو الدم، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، كما أن من أكل مما أهل به لغير الله مضطرًا لم يقصد إجازةَ عمل الوثنية ولا استحسانه.
وإنما ذكر قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} ؛ لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا وكل إليهم تحديده، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهواته إلى ما وراء الضرورة. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم إذ رخص لهم في تناولها، ولم يوقعم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها. انتهت.
وظاهر قوله: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} نفى كل فرد فرد من الإثم عنه إذا أكل، لا وجوب الأكل. وقال الطبري: ليس الأكل عند الضرورة رخصة، بل ذلك عزيمة واجبة، ولو امتنع من الأكل كان عاصيًا.
وقال مسروق: بلغني أنه من اضطر إلى الميتة، فلم يأكل حتى مات .. دخل النار، كأنه أشار إلى أنه قاتل نفسه بتركه ما أباح الله له.