{فَمَنِ اضْطُرَّ} ؛ أي: أُلجئ وأُحوج إلى أكل شيء مما ذكر بأن أصابه جوع شديد، ولم يجد حلالًا يسد به الرمق، أو أكره على تناول ذلك، وقرأ أبو جعفر في المتواتر: {فَمَنِ اضْطُرَّ} بضم النون للاتباع، وبكسرها على أصل حركة التقاء الساكنين، وقرأ ابن محيص شذوذًا بإدغام الضاد في الطاء، وقرأ أبو السمال بكسر الطاء وهي قراءة شاذة أيضًا، والمراد: مَنْ صيرةُ الجوع والعدم إلى الاضطرار والاحتياج إلى الميتة حالة كونه غير مباح؛ أي: غير طالب للذة {وَلَا عَادٍ} ؛ أي: متجاوز سد الجوعة، كما نقل عن الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد. وقيل: {غَيْرَ بَاغٍ} على الوالي وخارج عن طاعته. {وَلَا عَادٍ} ؛ أي: غير متعد على المسلمين بقطع الطريق، فأكله - {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} ؛ أي: فلا حرج ولا ذنب على المضطر المذكور في أكل جميع ما ذكر، لترخيص الله سبحانه وتعالى له في ذلك {إِنَّ اللَّهَ} تعالى {غَفُورٌ} لمن أكل في حال الاضطرار {رَحِيمٌ} له حيث أباح له في تناول قدر الحاجة.
فخرج بذلك الباغي والعادي، فمن خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقًا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله كالناشزة والآبق، فاضطر إلى أكل الميتة ونحوها .. لم تحل له ما لم يتب؛ لأن الرخص لا تفعل مع المعصية.
أما الباغي والعادي المقيمان المضطران إلى أكل ما ذكر: فيحل لهما أكله؛ وذلك لأن الترخيص لا يمتنع في حق المقيم العاصي إلا إذا كان مراقَ الدم، وقادرًا على توبة نفسه كالمرتد، وتارك الصلاة بشرطه، أما غيره: فتحل له سائر الرخص التي من جملتها أكل الميتة، هكذا يقتضي كلام الرملي في باب الأطعمة.
قلتُ: والظاهر من إطلاق الآية أن الباغي والعادي لا يحل لهما أكل الميتة ونحوها عند الاضطرار مطلقًا؛ أي: سواء كانا مقيمين أو مسافرين.