يَعْرِفُ هَذَا، فَإِذَا هُوَ اخْتَارَ الضَّلَالَةَ بَعْدَ صِحَّةِ الدَّعْوَةِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ فَقَدِ اشْتَرَى الْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ، وَكَانَ هُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ إِذِ اسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، غُرُورًا بِالْعَاجِلِ، وَاسْتِهَانَةً بِالْآجِلِ (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أَيْ: إِنَّ صَبْرَهُمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ الَّذِي تَعَرَّضُوا لَهُ مَثَارُ الْعَجَبِ، ذَلِكَ بِأَنَّ عَمَلَهُمُ الْمَوْصُوفَ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يَسُوقُهُمْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ، فَتَهَوُّكُهُمْ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ تَهَوُّكُ مَنْ لَا يُبَالِي
بِهِ، كَأَنَّهُ مِمَّا يُطِيقُهُ وَيُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، فَلَا يَتْرُكُ ضَلَالَتَهُ اتِّقَاءً لَهُ، وَصِيغَةُ التَّعَجُّبِ قَالُوا يُرَادُ بِهَا تَعْجِيبُ النَّاسِ مِنْ شَأْنِهِمْ إِذْ لَا تُتَصَوَّرُ حَقِيقَةُ التَّعَجُّبِ مِنَ اللهِ تَعَالَى ; إِذْ لَا شَيْءَ غَرِيبٌ عِنْدَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مَجْهُولٌ سَبَبُهُ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَخَوَافِيهَا، وَحَاضِرُهَا عِنْدَهُ كَمَاضِيهَا وَآتِيهَا (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (34: 3) وَالصَّبْرُ عَلَى النَّارِ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْهُمْ فَيُتَعَجَّبُ مِنْهُ حَالًا، وَلَا مُتَوَقَّعٍ فَيُتَعَجَّبُ مِنْهُ مَآلًا، فَلَا صَبْرَ هُنَالِكَ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِي تَهَوُّكِهِمْ وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الْعَبَثِ بِدِينِ اللهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ لِلتَّنْفِيرِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ،