وَلَكِنْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادُ الْعَجَبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ فِي مِثْلِهِ أَنْ يُقَالَ: عَجَبٌ يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ كَعَجَبِ الْبَشَرِ مِمَّا يُكْبِرُونَ أَمْرَهُ وَيَجْهَلُونَ سَبَبَهُ، وَيَتَأَوَّلُهُ الْأَكْثَرُونَ بِالرِّضَى مِنَ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْعِبَارَةِ مَا مَعْنَاهُ مَبْسُوطًا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي أَكْلِهِمُ النَّارَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى النَّارِ هُوَ تَصْوِيرٌ لِحَالِهِمْ وَتَمْثِيلٌ لِمَآلِهِمْ. أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَتَجَلَّى لَكَ إِذَا تَمَثَّلْتَ حَالَ قَوْمٍ عِنْدَهُمْ كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِلِقَاءِ اللهِ، وَقَدْ كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ بِكِتْمَانِ وَصْفِ الرَّسُولِ، وَهُمْ يُقَارَعُونَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَيُذَكَّرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَيَّامِهِ فَيَشْعُرُونَ بِجَاذِبَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ: جَاذِبِ الْحَقِّ الَّذِي عَرَفُوهُ، وَجَاذَبِ الْبَاطِلِ الَّذِي أَلِفُوهُ، ذَاكَ يُحْدِثُ لَهُمْ هِزَّةً وَتَأْثِيرًا، وَهَذَا يُحْدِثُ لَهُمُ اسْتِكْبَارًا وَنُفُورًا، وَقَدْ غَلَبَ عُقُولَهُمْ مَا عَرَفُوا، وَغَلَبَ قُلُوبَهُمْ مَا أَلِفُوا، فَثَبَتُوا عَلَى مَا حَرَّفُوا وَانْحَرَفُوا، وَصَارُوا إِلَى حَرْبٍ عَوَانٍ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْوِجْدَانِ، يَتَصَوَّرُونَ الْخَطَرَ الْآجِلَ فَيَتَنَغَّصُ عَلَيْهِمُ التَّلَذُّذُ بِالْعَاجِلِ، وَيَتَذَوَّقُونَ حَلَاوَةَ مَا هُمْ فِيهِ فَيُؤْثِرُونَهُ عَلَى مَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.