أحدهما: أن يكون مجرورًا بإضافة {نَجْوَى} إليه كأنه ما يكون من سرار ثلاثةٍ، ويجوز أن يكون {ثَلَاثَةٍ} جرًا على الصفة على قياس قوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} وهذا معنى قول الفراء: {ثَلَاثَةٍ} إن شئت خفضتها على أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها، وبيانه أن النجوى إن جعلتها مصدرًا أضفتها إلى ثلاثة، وإن جعلتها بمعنى المتناجين جعلت (ثلاثة) صفة لها.
قال أبو إسحاق: {نَجْوَى} مشتق من النجوة، وهي ما ترتفع وتَنَحَّى. والمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به.
ومعنى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} أي ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به. ومعنى قول المفسرين في النجوى أنها إسرار. قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبك.
وقوله: {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} أي: إلا هو عالم به، وعلمه معهم لا يخفى عليه ذلك كما قال: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [التوبة: 78] ، وكقوله: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} والمعنى: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي يكون معهم.
8 -قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ولم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى: {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الإثم والعدوان مخالفتهم الرسول في النهي عن النجوى، فلما عادوا إلى ما نهاهم عنه لزمهم الإثم والعدوان وصاروا آثمين ظالمين.