ومنهم من قال: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا إذا خرجوا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هَؤُلَاءِ إلا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية.
لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ فالإمساك عنه أحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) .
ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول اللَّه يقولون: السام عليك يا مُحَمَّد؛ فيجيبهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويرد عليهم ويقول: عليكم. ففيه دلالة رسالته؛ لأنهم حيوه شرًّا منه، فأطلعه اللَّه - تعالى - على ما أسروا، وكذلك ما قال: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ) : هلا يعذبنا اللَّه بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع اللَّه - تعالى - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه باللَّه - تعالى - عرف أذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - خبرا عنهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) .