قال: هذا الخطاب لما باشرته العقول نهضت مستحثة للجوارح بحسن التوجه لإقامة ما به
يحظون عند من استجابوا لدعوته وفطنوا لإشارته وأقاموا تحت العلم بقربه وقرت
عيونهم بما ورد على قلوبهم بالسرور بالخلوة جلاسا أناسا اكياسا لا يرهبون في الطريق
غيره ولا يتوسلون إليه إلا به ولا يسألونه شيئا غير التمتع بخدمته وحسن المعرفة على
موافقته.
سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعيد القرشي يقول في قوله:
(سابقوا إلى مغفرة من ربكم) قال: سارعوا إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) يوجب لكم المغفرة.
قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب)
الحديد: (22) ما أصاب من) [الآية: 22] .
قال الجنيد: الصبر على درجات فصابر ما مسه من البلاء عين التدبير مخرجه ومن
حقيقة الحكمة في الأزل كونه فلم يراجع لعلمه بما في القضاء لا محالة قبل أن ينسى أباه
آدم عليه السلام إذ هو جزء من ذريته التي برأهم على مشيئته وأجرى عليهم ما شاء من
نفاذ قدرته على ما سبق لهم منهم حيث قال: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) .
فيسمع هذا من ربه وشهد بقلبه فوقع في الروح والراحة وانشرح صدره وهان عليه
ما يصيبه.
قوله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)
الحديد: (23) لكي لا تأسوا) [الآية: 23] .
قال سهل رحمة الله عليه في هذه الآية دلالة على حال الرضا في الشدة والرخاء.
قال القاسم: ما عند الله للعبد فيما يكره خيرا له مما يختاره فيما يحب.
وقال: لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم من توبتكم وطاعتكم فإنك
لا تدري ما قدر الله فيك وما قضى.
قال الواسطي: تسليما للاقتدار ورضا بما قسم.
قال بعضهم: لا تأسوا على القوم الذين تولى الله إضلالهم وصرف قلوبهم عن
إدراك حقائق الحكمة.
قال بعضهم: في قوله: (إلا في كتاب من قبل أن نبرأها (أي قبل أن نخلق المصيبة
ونظهرها على العبد فإنما أخبركم بذلك لكي لا تأسوا على ما فاتكم من المصائب في
الأهل والمال ولا تفرحوا بما آتاكم من نعمة وصحة نفس وزيادة مال فإن الخيرة فيما