الثاني: تكفر السَّيِّئَاتِ وَالْمَغْفِرَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ تَوَابِعِ كَوْنِ الْمُكَلَّفِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَدَّمَ الْإِدْخَالَ فِي الذِّكْرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ التَّكْفِيرَ يَكُونُ بِإِلْبَاسِ خُلَعِ الْكَرَامَةِ وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ فِي الْجَنَّةِ تُزَالُ عَنْهُ قَبَائِحُ الْبَشَرِيَّةِ الْجِرْمِيَّةِ كَالْفَضَلَاتِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ كَالْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ وَهُوَ التَّكْفِيرُ وَتَثْبُتُ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمَلَكِيَّةُ وَهِيَ أَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْخُلَعِ.
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(7)
قَالَ هُنَاكَ (وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح: 4] وَهُنَا (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) لِأَنَّ قَوْلَهُ (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الفتح: 7] قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِهِمُ الْإِشَارَةُ إِلَى شِدَّةِ الْعَذَابِ فَذَكَرَ الْعِزَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ) [الزُّمَرِ: 37] وَقَالَ تَعَالَى: (فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) [الْقَمَرِ: 42] وَقَالَ تَعَالَى: (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) [الْحَشْرِ: 23] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذكر جنود السماوات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، وذكرهم هاهنا بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جنهم، نَقُولُ فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ جُنُودَ الرَّحْمَةِ فَيُدْخِلُ الْمُؤْمِنِينَ مُكَرَّمِينَ مُعَظَّمِينَ الْجَنَّةَ ثُمَّ يُلْبِسُهُمْ خِلَعَ الْكَرَامَةِ بِقَوْلِهِ (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) [الفتح: 5] كَمَا بَيَّنَّا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْقُرْبَى وَالزُّلْفَى بِقَوْلِهِ (وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) وَبَعْدَ حُصُولِ الْقُرْبِ وَالْعِنْدِيَّةِ لَا تَبْقَى وَاسِطَةُ الْجُنُودِ فَالْجُنُودُ فِي الرَّحْمَةِ أَوَّلًا يَنْزِلُونَ وَيُقَرَّبُونَ آخِرًا.