قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكَافِرِينَ (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ) [الْأَحْزَابِ: 26] بِلَفْظِ الْقَذْفِ الْمُزْعِجِ وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ (أَنْزَلَ السَّكِينَةَ) بِلَفْظِ الْإِنْزَالِ الْمُثْبَتِ، وَفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ قَبْلُ وَتَذَكَّرَهُ وَاسْتَدَامَ تَذَكُّرُهُ فَإِذَا وَقَعَ لَا يَتَغَيَّرُ، وَمَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعُ دُفْعَةً يَرْجُفُ فُؤَادُهُ.
* لَطِيفَةٌ:
وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا) [آلِ عِمْرَانَ: 178] وَلَمْ يَقُلْ: مَعَ كُفْرِهِمْ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ عِنَادِيٌّ وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ كُفْرٌ فِطْرِيٌّ لِيَنْضَمَّ إِلَيْهِ الْكُفْرُ الْعِنَادِيُّ بَلِ الْكُفْرُ لَيْسَ إِلَّا عِنَادِيًّا وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ بِالْفُرُوعِ لَا يُقَالُ: انْضَمَّ إِلَى الْكُفْرِ بِالْأُصُولِ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْكُفْرِ بِالْأُصُولِ الْكُفْرَ بِالْفُرُوعِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِيمَانِ بِالْأُصُولِ الْإِيمَانُ بِالْفُرُوعِ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ فَقَالَ: (لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ) وَقَوْلُهُ (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فَكَانَ قَادِرًا عَلَى إِهْلَاكِ عَدُّوِهِ بِجُنُودِهِ بَلْ بِصَيْحَةٍ وَلَمْ يَفْعَلْ بَلْ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ إِهْلَاكُ أَعْدَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ فَيَكُونَ لَهُمُ الثَّوَابُ.
(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا(5)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَقَوْلُهُ (وَيُعَذِّبَ) [الْفَتْحِ: 6] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ (لِيُدْخِلَ) وَازْدِيَادُ إِيمَانِهِمْ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَعْذِيبِهِمْ؟
نَقُولُ بَلَى وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّعْذِيبَ مَذْكُورٌ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ بِسَبَبِ ازْدِيَادِكُمْ فِي الْإِيمَانِ يُدْخِلُكُمْ فِي الْآخِرَةِ جَنَّاتٍ وَيُعَذِّبُ بِأَيْدِيكُمْ فِي الدُّنْيَا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ.