ثم الحق المذكور يحتمل القرآن، ويحتمل الحق: ما تركوا اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى ما دعاهم إليه، ويقولون: الحق هو الذي عليه آباؤنا (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، ثم قال: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) ، وقال هاهنا: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) . أي: جئناكم بما هو أهدى وأحق مما عليه آباؤكم.
وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) .
فَإِنْ قِيلَ: كيف قال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) وإنما خاطب به أهل النار، وكانوا جميعًا كارهين للحق.
نقول: إنه يخرج على وجهين:
أحدهما: أن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق، لكنهم كرهوا اتباعه والانقياد له؛ عنادًا منهم ومكابرة بعد ظهور الحق عندهم وتبينه لديهم؛ مخافة ذهاب الرياسة عنهم وزوال مكانتهم ولم يظهر لأقلهم، ولم يعرفوا، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من كراهة أكثرهم للحق بحق الطباع؛ كان في طباع أكثرهم كراهة ذلك الحق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) .
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمرًا ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله تعالى: (وَإِذ يَمْكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما ذكر، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من الدلالة:
أحدهما: ليعلموا أن اللَّه - تعالى - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرًّا؛ لأنه في ظنهم أن اللَّه لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرًّا؛ ولذلك قال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) .