وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مِنْ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ {مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} وَمِنْ قَبْلِكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى الظُّرُوفِ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ
وَقَوْلُهُ: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}
يَقُولُ: يُصَلُّونَ حَوْلَ عَرْشِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ؛ وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ، وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا، فَتَقُولُ: سَبِّحْ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَسَبِّحْ حَمْدَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَسَبِّحِ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}
وَقَوْلُهُ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ}
يَقُولُ: وَقَضَى اللَّهُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ، وَالشُّهَدَاءِ وَأُمَمِهَا بِالْعَدْلِ، فَأَسْكَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ، وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ النَّارَ {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
يَقُولُ: وَخَتَمَتْ خَاتِمَةُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ بِالشُّكْرِ لِلَّذِي ابْتَدَأَ خَلَقَهُمُ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ، وَمَلَكَ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ مَلَكٍ وَجِنٍّ وَإِنْسٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْخَلْقِ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ:"فُتِحَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخُتِمَ بِالْحَمْدِ"فَقَالَ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}