وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء.
وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت ، لأن أفعل لا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين في اسطاع عوضاً من ترك الأصل الذي هو أطوع.
والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله: {وأمرت أن أكون أول من أسلم} انتهى.
ويحتمل في أن أكون في ثلاثة المواضع أصله لأن أكون ، فيكون قد حذفت اللام ، والمأمور به محذوف ، وهو المصرح به هنا {إني أمرت أن أعبد الله} .
{قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} : تقدّم الكلام على هذه الجملة مقول القول في سورة يونس.
لما أمره أولاً أن يخبر بأنه أمر بعبادة الله ، أمر ثانياً أن يخبر بأنه يعبد الله وحده.
وتقديم الجلالة دال على الاهتمام بمن يعبد ، وعند الزمخشري يدل على الاختصاص ، قال: ولدلالته على ذلك ، قدم المعبود على فعل العبادة ، وأخره في الأول.
فالكلام أولاً واقع في الفعل في نفسه وإيجاده ، وثانياً فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه قوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} .
والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية. انتهى.
وقال غيره: {فاعبدوا ما شئتم} : صيغة أمر على جهة التهديد لقوله: {قل تمتع بكفرك} {قل إن الخاسرين} : أي حقيقة الخسران ، {الذين خسروا} : أي هم الذين خسروا أنفسهم ، حيث صاروا من أهل النار ، {وأهليهم} الذين كانوا معهم في الدنيا ، حيث كانوا معهم في النار ، فلم ينتفعوا منهم بشيء ، وإن كان أهلوهم قد آمنوا ، فخسرانهم إياهم كونهم لا يجتمعون بهم ولا يرجعون إليهم.