وحاصل معنى الآية: أي والذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا عند الله منزلة، ويشفعوا لنا عنده في حاجتنا، ومن حديث عبادتهم للأصنام: أنهم جعلوا تماثيل الكواكب، والملائكة والأنبياء، والصالحين الذين مضوا، وعبدوها باعتبار أنها رمز إليها، وقالوا: إن الإله الأعظم، أجلّ من أن يعبده البشر مباشرة، فنحن نعبد هذه الآلهة، وهي تعبد الإله الأعظم، وهذه شبهة تمسك بها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءت الرسل مفندة لها، ماحيةً لها من الأذهان العالقة بها، موجهة العقول إلى إفراد الله وحده بالعبادة، قال: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، وقال: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } .
قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خالقكم، ومن خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله. فيقال لهم: فلم تعبدونهم؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، فرد الله عليهم بقوله في سورة الأحقاف: {فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ} . ثم هددهم، وبيّن لهم عاقبة ما يفعلون، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ، وبين خصومهم، وهم المحقون فيما اختلفوا فيه من التوحيد، والإشراك يوم القيامة، ويجازي كلا بما هو أهل له، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار، ثم بيّن نتيجة الحكم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ} ؛ أي: إن الله لا يرشد إلى الحق، ولا يوفق له، من هو كاذب مفتر عليه، بزعمه أن له ولدًا، وأن له ندًا، وأن الأوثان تشفع لديه إلى غير ذلك، من الترهات والأباطيل، التي لا يقبلها العقل، ولا تجد لها مستندًا من نقل.