وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ذَنْبٌ أَذْنَبْتُهُ. أَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً. قِيلَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ لِشَيْءٍ قَضَاءُ اللَّهِ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ، أَوْ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ قُرِضَ لَحْمِي بِالْمَقَارِيضِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لِشَيْءٍ قَضَاهُ اللَّهُ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ.
وَقِيلَ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ: هَاهُنَا رَجُلٌ قَدْ تَعَبَّدَ خَمْسِينَ سَنَةً. فَقَصَدَهُ. فَقَالَ لَهُ: حَبِيبِي، أَخْبِرْنِي عَنْكَ، هَلْ قَنَعْتَ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ أَنْتَ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ رَضِيتَ عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّمَا مَزِيدُكَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَسْتَحِي مِنْكَ لَأَخْبَرْتُكَ: أَنَّ مُعَامَلَتَكَ خَمْسِينَ سَنَةً مَدْخُولَةٌ.
يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُقَرِّبْهُ فَجَعَلَهُ فِي مَقَامِ الْمُقَرَّبِينَ. فَيُوجِدَهُ مَوَاجِيدَ الْعَارِفِينَ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَزِيدُهُ لَدَيْهِ: أَعْمَالَ الْقُلُوبِ. الَّتِي يَسْتَعْمِلُ بِهَا كُلُّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ، لِأَنَّ الْقَنَاعَةَ: حَالُ
الْمُوَفَّقِ، وَالْأُنْسَ بِهِ: مَقَامُ الْمُحِبِّ، وَالرِّضَا: وَصْفُ الْمُتَوَكِّلِ. يَعْنِي أَنْتَ عِنْدَهُ فِي طَبَقَاتِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. فَمَزِيدُكَ عِنْدَهُ مَزِيدُ الْعُمُومِ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ مُعَامَلَتَهُ مَدْخُولَةٌ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَاقِصَةٌ عَنْ مُعَامَلَةِ الْمُقَرَّبِينَ الَّتِي أَوْجَبَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْأَحْوَالَ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً سَالِمَةً، لَا عِلَّةَ فِيهَا وَلَا غِشَّ: لَأَثْمَرَتْ لَهُ الْأُنْسَ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ، وَالْأَحْوَالَ الْعَلِيَّةَ. فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى شَكُورٌ. إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ عَمَلُ عَبْدِهِ جَمَّلَ بِهِ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ. وَأَثَابَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ. فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ أَثَرًا فِي قَلْبِهِ، مِنَ الْأُنْسِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ: اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَدْخُولٌ، غَيْرُ سَالِمٍ مِنَ الْآفَاتِ.