ثم قال الملائكة مخبرين للنبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} ، وفي الكلام حذف ، والتقدير: وما منا أحد ، أو وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة الله.
وقيل: التقدير: وما منا إلا من له مقام معلوم ، رجح البصريون التقدير الأوّل ، ورجح الكوفيون الثاني.
قال الزجاج: هذا قول الملائكة ، وفيه مضمر.
المعنى: وما منا ملك إلا له مقام معلوم.
ثم قالوا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون} أي: في مواقف الطاعة.
قال قتادة: هم: الملائكة صفوا أقدامهم.
وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض.
{وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون} أي: المنزّهون لله المقدّسون له عما أضافه إليه المشركون.
وقيل: المصلون ، وقيل: المراد بقولهم {المسبحون} : مجموع التسبيح باللسان ، وبالصلاة ، والمقصود أن هذه الصفات هي: صفات الملائكة ، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ} هذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين ، أي: كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين} أي: كتاباً من كتب الأوّلين كالتوراة ، والإنجيل {لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين} أي: لأخلصنا العبادة له ، ولم نكفر به ، و"إن"في قوله: {وَإِن كَانُواْ} هي: المخففة من الثقيلة ، وفيها ضمير شأن محذوف ، واللام هي: الفارقة بينها ، وبين النافية ، أي: وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون إلخ ، والفاء في قوله: {فَكَفَرُواْ بِهِ} هي: الفصيحة الدالة على محذوف مقدّر في الكلام.
قال الفراء: تقديره: فجاءهم محمد بالذكر ، فكفروا به ، وهذا على طريق التعجب منهم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: عاقبة كفرهم ، ومغبته ، وفي هذا تهديد لهم شديد.