والمعنى: وكنا أرسلناه إلى مائة ألف. فلما خرج من بطن الحوت أمر أن يرجع إليهم ثانيًا؛ أي: وأرسلناه إلى قوم عددهم مائة ألف. {أَوْ يَزِيدُونَ} قال ابن عباس: معناه: ويزيدون على ذلك، فـ {أَوْ} عنده بمعنى الواو. وقيل معناه: بل يزيدون، فـ {أَوْ} بمعنى بل. وقيل: {أَوْ} على أصلها، ومعناها: من الشك. والمعنى: أو يزيدون في تقدير الرائي إذا رآهم. قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على ذلك، فالشك على تقدير المخلوقين. إذ الشك على الله محال. والأصح هو قول ابن عباس الأول. والمعنى عليه: وأرسلناه إلى قوم عدادهم مائة ألف، وإلى قوم يزيدون على ذلك. وأما الزيادة فقال ابن عباس: كانت عشرين ألفًا، ويعضده ما روي عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) } قال: يزيدون عشرين ألفًا، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. وقيل: يزيدون بعضًا وثلاثين ألفًا. وقيل: سبعين ألفًا. والمقصود من هذا الكلام على جميع التقادير: وصفهم بالكثرة.
وفي «فتح الرحمن» : إن قلت: {أَوْ} للشك وهو على الله محال.
قلت: {أَوْ} بمعنى: بل، أو بمعنى الواو، أو المعنى: أو يزيدون في نظرهم، فالشك إنما دخل في قول المخلوقين، انتهى. وقرأ جعفر بن محمد {ويزيدون} بدون ألف الشك.
148 - {فَآمَنُوا} ؛ أي: بعدما شاهدوا علائم حلول العذاب إيمانًا خالصًا {فَمَتَّعْناهُمْ} بالحياة الدنيا، وأبقيناهم {إِلى حِينٍ} انقضاء آجالهم، ومنتهى أعمارهم. وهذا كناية عن رد العذاب عنهم، وصرف العقوبة.
والمعنى: أي فأرسلناه مرة أخرى إلى هؤلاء القوم، وقد كانوا مائة ألف بل يزيدون، فاستقامت حالهم، وآمنوا به؛ لأنه بعد أن خرج من بين أظهرهم رأوا أنهم قد أخطؤوا، وأنهم إذا لم يتبعوا رسولهم هلكوا كما حدث لمن قبلهم من الأمم. فلما عاد إليهم، ودعاهم إلى ربه لبوا الدعوة طائعين منقادين لأمر الله ونهيه، فمتعناهم في هذه الحياة حتى انقضت آجالهم، وهلكوا فيمن هلك.
فائدة: هاهنا مسألتان:
1 -أن القرآن الكريم لم يبين لنا مم أبق، ولو كان في بيانه فائدة لذكرها.