وقال الحسن: إنهم لما كلفوه أن يخرج معهم تفكر فيما يعمل ، فالمعنى على هذا: أنه نظر فيما نجم له من الرأي ، أي: فيما طلع له منه ، فعلم أن كلّ شيء يسقم {فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ} .
قال الخليل ، والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في الشيء يدبره: نظر في النجوم.
وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تعتاده فيها الحمى.
وقال الضحاك: معنى: {إني سقيم} : سأسقم سقم الموت ، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ، ثم يموت ، وهذا تورية ، وتعريض كما قال للملك لما سأله عن سارّة: هي أختي يعني: أخوّة الدين.
وقال سعيد بن جبير: أشار لهم إلى مرض يسقم ، ويعدي ، وهو: الطاعون ، وكانوا يهربون من ذلك ، ولهذا قال: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي: تركوه ، وذهبوا مخافة العدوى {فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ} يقال: راغ يروغ روغاً ، وروغاناً: إذا مال ، ومنه طريق رائغ ، أي: مائل.
ومنه قول الشاعر:
فيريك من طرف اللسان حلاوة... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
وقال السدّي: ذهب إليهم ، وقال أبو مالك: جاء إليهم ، وقال الكلبي: أقبل عليهم ، والمعنى متقارب {فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} أي: فقال إبراهيم للأصنام التي راغ إليها استهزاء ، وسخرية: ألا تأكلون من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها ، وخاطبها كما يخاطب من يعقل ؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة.
وكذا قوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} ، فإنه خاطبهم خطاب من يعقل ، والاستفهام للتهكم بهم ؛ لأنه قد علم أنها جمادات لا تنطق.
قيل: إنهم تركوا عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها ، وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم.
وقيل: تركوه للسدنة ، وقيل: إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئاً بها.
{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} أي: فمال عليهم يضربهم ضرباً باليمين ، فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف ، أو هو مصدر لراغ ، لأنه بمعنى: ضرب.