وقال أبو عبيدة: مقتضاه: فتسوقه؛ لأنه قال أولًا: فتثير سحابًا، قيل: النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على التحقق. اهـ. وقال: {إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} بالتنكير قصدًا به إلى بعض البلاد الميتة، وهي بلاد الذين تبعّدوا عن مظانّ الماء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص: {مَيِّتٍ} بتشديد الياء، والباقون بتخفيفها. قال المبرّد: ميْت وميّت واحد، وقال هذا قول البصريين وأنشد:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
{فَأَحْيَيْنَا} الفاءات الثلاثة للسببية، فإن ما قبل كل واحدة منها سبب لمدخولها غير أن الأولى دخلت على السبب بخلاف الأخيرتين، فإنهما دخلتا على المسبَّب، {بِهِ} ؛ أي: بالمطر النازل من السحاب المدلول عليه بالسحاب، فإنّ بينهما تلازمًا في الذهن، كما في الخارج، أو بالسحاب فإنه سبب السبب. {الْأَرْضَ} بإنبات ما ينبت فيها. {بَعْدَ مَوْتِهَا} ؛ أي: بعد يبسها؛ أي: صيَّرناها خضراء بالنبات بعد خلوّها منه، وأسند الله تعالى الإرسال إلى الغائب والسوق، والإحياء إلى المتكلم؛ لأن في الأول تعريفًا بالفعل العجيب، وهو الإرسال والإثارة، وفي الثاني تذكيرًا بالنعمة، فإن كمال نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء.
والكاف في قوله: {كَذَلِكَ النُّشُورُ} في حيّز الرفع على الخبريَّة؛ أي: مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه إحياء الموتى، واخراجهم من القبور يوم الحشر في صحة المقدوريّة وسهولة التأتّي من غير تفاوت بينهما أصلًا سوى الإلف في الأوَّل دون الثاني، فالآية احتجاج على الكفرة في إنكارهم البعث حيث دلّهم على مثال يعاينونه غير ما مرّةٍ.