وهذا قريب من قوله {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً} [النساء: 139] فإن فيه تأكيدين: تأكيداً بـ (إنّ) وتأكيداً بـ {جميعاً} لأن تلك الآية نَزَلت في وقت قوة الإِسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد.
وتقدم الكلام على {جميعاً} عند قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} في سورة سبأ (40) .
وانتصب جميعاً على الحال من {العزة} وَكأنه فعيل بمعنى مفعول ، أي العزة كلها لله لا يَشذ شيء منها فيثبتُ لغيره ، لأن العزة المتعارفة بين الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله.
وتعريف {العزة} تعريف الجنس.
والعزة: الشرف والحصانة من أن ينال بسوء.
فالمعنى: من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله لنفسه من عزة فهو مخطئ إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب.
والعزة الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله.
وعزة المولى ينالُ حِزبَه وأولياءَه حظ منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة الدائمة ؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذلّ الانهزام والقتل والأسر في الدنيا وذلّ الخزي والعذاب في الآخرة ، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات كمال في الآخرة.
{العزة جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل} .
كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] الآية ، وبذكر مقابل عواقبه من حال المؤمنين ، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر مقابله أيضاً ليلتقيَ مآلُ الغرورين ومقابلهما في ملْتقىً واحدٍ ، ولكن قدم في الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذُكرت عاقبة أضدادهم ، وعكس في ما هنا لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده.
وجملة {إليه يصعد الكلم الطيب} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة تفصيل الغرور الذي يوقع فيه.