فابتدعوا الصلاة إلى المشرق مطلع الشمس مع علمهم أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلاً، بل كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس وهي قبلة الأنبياء قبله.
ومن كيد الشيطان ومكره بهم أن طوائف منهم وهم الروم وغيرهم لا يرون الاستنجاء بالماء، فيبول أحدهم ويتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة الكريهة.
فيستقبل المشرق، ويصلب على وجهه، ويحدث من يليه بأنواع الحديث كذباً كان أو فجوراً، ويخبره بسعر الخمر والخنزير ونحو ذلك، ولا يضر ذلك صلاته ولا يبطلها.
ومواجهة رب العالمين بهذه العبادة قبيح جداً، وصاحبها إلى استحقاق غضبه وعقابه أقرب منه إلى رضاه وثوابه.
ومن تلاعب الشيطان بهم ما ابتدعوه من تعظيم الصليب بعد المسيح بزمان، ولا ذِكْر له في الإنجيل، وإنما ذُكِر في التوراة باللعن لمن تعلق به.
فزين الشيطان لهذه الأمة الضالة، فاتخذته معبوداً يسجدون له، ويحلفون به.
ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل، لكان ينبغي لهم أن يلعنوا الصليب من أجل معبودهم وإلههم حين صلب عليه، وأن يحرقوه حيث وجدوه، ويكسروه ويضمخوه بالنجاسة، فإنه صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين عليه وفضح، هذا لو صح زعمهم أن المسيح صلب وأنى يصح وقد أعلن الله نجاته وسلامته ورفعه إليه: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) } [النساء: 157، 158] .
فبأي وجه يستحق الصليب هذا التعظيم منهم، لولا أن القوم أضل من الأنعام؟.
وإن كانوا يقصدون بتعظيمه التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم، وإغراءهم بهم فقد حصل لهم ما هو أعظم من ذلك، فقد نفروا به الأمم عن النصرانية، وعن المسيح ودينه أعظم تنفير.
وكأنهم إنما عظموه لأنه ثبت لصلب إلههم، ولم ينشق ولم ينكسر من هيبته لما حمل عليه.
ألا ما أقبح الجهل والسفه، وما أشد ضلال وجرم أولئك؟.