{وَمَا يُمْسِكْ} ؛ أي: وأيّ شيء يمسكه الله سبحانه من رحمته ويحبسه ويمنعه {فَلَا مُرْسِلَ لَهُ} ؛ أي: لا أحد من الموجودات يقدر على إرساله وإعطائه، فإنه لا معطي لما منعه، فهو سبحانه المعطي المانع، القابض الباسط، لا معطي سواه، ولا منعم غيره، واختلاف الضميرين بالتأنيث في الأول، والتذكير في الثاني لما أن مرجع الأول مفسر بالرحمة، ومرجع الثاني مطلق في كل ما يمسكه من رحمته وغضبه. ففي التفسير الأول وتقييده بالرحمة إيذان بأن رحمته سبقت غضبه؛ أي: في التعلق، وإلا فهما صفتان لله تعالى لا تسبق إحداهما على الأخرى في ذاتهما. {مِنْ بَعْدِهِ} سبحانه؛ أي: فلا مرسل له من بعد إمساكه ومنعه كقوله: {فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} ؛ أي: من بعد إضلال الله إياه.
{وَهُوَ} سبحانه {الْعَزِيزُ} ؛ أي: الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك، فلا أحد ينازعه {الْحَكِيمُ} الذي يفعل ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي"الخازن": {وَهُوَ الْعَزِيزُ} فيما أمسك {الْحَكِيمُ} ؛ أي: فيما أرسل.
ومعنى الآية: مفاتيح الخير ومغاليقه كلها بيده سبحانه وتعالى، فما يعطِ من خير .. فلا يستطيع أحد منعه ولا إمساكه، وأيُّ خير يمسكه .. فلا يبسطه ولا يفتحه لهم فاتح؛ لأن الأمور كلها بيده تعالى، ومنها البذل والعطاء، والمنع والإمساك، وهو الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي منها الفتح والإمساك. وهو الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي الآية عظة للناس بالإقبال إلى ربهم، والتوجه إليه في قضاء حوائجهم، والتوكل عليه في جميع مآربهم، والإعراض عما سواه من جميع خلقه.