(إن الله عزّ وجل خلق كل شيء للإنسان ليشكر، فإذا انشغل الإنسان بالنعمة عن المنعم، فذلك دليل انحراف، والشيطان هو العدو الأول للإنسان، فإذا أصبح الشيطان هو المعلم للإنسان، فذلك علامة انحراف في تفكير الإنسان وسلوكه، وهذه المجموعة التي مرّت معنا لفتت نظر الإنسان إلى هذا، وحذرته، وبيّنت له مغبة ذلك ونتيجته. وهذا المعنى الذي مر معنا في المجموعة هو المعنى المكمّل للمعنى الذي تعرّض له المقطع الأول. فالمقطع الأول دعا إلى ذكر النعمة، والبناء على ذلك، والمجموعة الأولى من هذا المقطع دعت إلى ترك الاغترار بالدنيا والشيطان، لأن ذلك يصرف الإنسان عن شكر النعمة، وصلة ذلك بمقدمة السورة واضحة. إذ مقدمة السورة ذكرت استحقاق الله للحمد، وقالت ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ .. وإذا كان هذا هو الشأن، فلا يجوز أن يصرف الإنسان صارف عن الإيمان والتوحيد والشكر لا دنيا ولا شيطان.
فما محل هذه المجموعة في السياق العام للقرآن؟:
إن المجموعة بدأت بالتذكير بأن وعد الله حق، ثم نهت عن الاغترار في الدنيا والشيطان، فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن هذه الآية قد جاءت بين قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وبين قصة آدم عليه السلام المنتهية بقوله تعالى:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.