ولفظُ ابن عطية قال: لفظ هذه الآية مع قوله"أَنَا خَاتِمُ الأنْبياء"عند علماء الأمة نص صريح في أنه لا نبي بعده. وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب"الهداية"من أنه ظاهر ليس بنص، وما ذكره الغزالي في"الاقتصاد"أيضا إلحادٌ وتَطَرُّقٌ إلى إفْساد عقيدة المسلمين في ختمه للنبوءة.
قلت: ولفظ الغزالي في آخر"الاقتصاد":"الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يَرِدْ فيه نص قطعي، وذهب النَّظَّام إلى"
عدم العمل به.
قال:"وهو مردود بقوله تعالى (وَخَاتِمَ النبِيئِين) ."
قلت: فكلامه هذا يدلُّ أن ختمه للنبيئين إذاً ثبت عنده بالإجماع. وقال الفخر في"كتابه"أن الأدلة الشرعية لا تفيد الظنَّ فضلاً عن اليقين، لإمكانِ تأويلها، وسَلَّم ذلك له التلمساني. وحَكى القاضي أبو الوليد الباجي في تأليف له في أصول الدين - سماه"التلخيص"- عن جماعة من المبتدعة
تجويز بعثةِ رسولٍ بعده - صلى الله عليه وسلم - ؛ وسمى هذه الطائفة الخويزمندادية.
41 - {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} :
لما ورد الشيخ الفقيه أبو عبد اللَّه محمد الشريف التلمساني شارح"الجمل"الخونْجي حضرةَ تونس، حضر يوماً مجلس الشيخ ابن عبد السلام، فجرى بينهما بحث في المراد بالذكر في الآية هل اللساني أو القلبي؛ فرجَّح ابن عبد السلام كونَه القلبي، بأن الضدين يجب اتحادُ محلِّهما، والذكرُ ضدُّه النسيان ومحلُّه القلب؛ فعارضه الشريف بأنَّ الذكر ضده الصمت ومحله اللسان. وقيل: أصل الكلام للشريف، وجوابه لابن عبد السلام.
وقد ذكر هذا البحث ناصر الدين بن المنير وابن العربي في"المسالك"، ثم إن ابن عبد السلام قرأ على الشريف"إشارات"ابن
سينا، والشريف حينئذ صغير السن جدا، لأن ذلك كان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، وولد الشريف عام ستة عشر، وهو عام مولد شيخنا ابن عرفة: ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور، وتوفي الشريف عام اثنين وسبعين، وتوفي شيخنا ابن عرفة يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته:
بلغْتُ الثمانين بل جُزْتُها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام