إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ولا تحتهم ، ولا يمينهم ولا يسارهم ، ولا قدامهم ولا وراءهم ، ولا يكون جسماً من الأجسام ، ولا شيئاً يدخل في الأوهام ، ورأوا الأجسام المناسبة للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين الأوثان ، ثم قال تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} يعني يوم يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي ، ويقول المعبود ما هؤلاء عبدتي ويلعن بعضكم بعضاً ، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني ، ويقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك ، ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون ، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى: {وَمَأْوَاكُمُ النار} ثم قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين} يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره فأنتم في النار ولا ناصر لكم ، وههنا مسائل:
المسألة الأولى:
قال قبل هذا {وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} [العنكبوت: 22] على لفظ الواحد ، وقال ههنا على لفظ الجمع {وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين} والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ننصر آلهتنا كما حكى الله تعالى عنهم
{حَرّقُوهُ وانصروا ءالِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 68] فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم ولهم ، أي للأوثان وعبدتها من ناصرين ، وأما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله: {وَلاَ نَصِيرٍ} .
المسألة الثانية: