15 - {فَأَنْجَيْنَاهُ} ؛ أي: فأنجينا نوحًا من الغرق والابتلاء بمشاق الكفرة {وَ} أنجينا {أَصْحَابَ السَّفِينَةِ} أي: ومن ركب معه فيها من أولاده وأتباعه.
واختُلف في عددهم على أقوال: قيل: كانوا ثمانين، وقيل: ثمانيةً وسبعين، وقيل: عشرة، نصفهم ذكور ونصفهم أناث. {وَجَعَلْنَاهَا} ؛ أي: السفينة {آيَةً لِلْعَالَمِينَ} ؛ أي: عبرةً عظيمةً لمن بعدهم من الأهالي يتعظون بها، أو دلالة يستدلون بها على قدرة الله سبحانه، وقيل: إن الضمير في جعلناها عائد إلى الواقعة، أو إلى النجاة، أو إلى العقوبة بالغرق، قال أبو الليث في"تفسيره": وقد بقيت السفينة على الجودي إلى قريب من وقت خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبين الطوفان والهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وتسع مائة وأربع وسبعون سنة، على ما في"فتح الرحمن"، وكان ذلك علامة وعبرة لمن رآها ولمن لم يرها؛ لأن الخبر قد بلغه، وقال بعضهم: سفينة نوح أول سفينة في الدنيا، فأبقيت السفن آيةً وعبرةً للخلائق وعلامةً من سفينة نوح، وهو قوله تعالى: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً} .
روي: أن نوحًا بُعث على رأس الأربعين، ودعا قومه تسع مائة وخمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وفشوا، وذلك من أولاد حام وسام ويافث؛ لأنهم لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم إلا أولاد نوح، كما في"البستان"، فيكون عمره ألفًا وخمسين عامًا، وهو أطول الأنبياء عمرًا، فلما حضره الموت قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرًا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان دخلت وخرجت،، وما أحسن ما قيل فيها:
أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ سَحَابَةٍ ... أَظَلَّتْكَ يَوْمًا ثُمَّ عَنْكَ اضْمَحَلَّتِ
فَلاَ تَكُ فَرْحَانًا بِهَا حِيْنَ أَقْبَلَتْ ... وَلا تَكُ جَزْعَانًا بِهَا حِيْنَ وَلَّتِ
قال الحسن: أفضل الناس يوم القيامة المؤمن المعمر، انتهى. اللهم أركبنا جواري الشريعة، وأوصلنا بها إلى صحارى الجنة، فليجِدَّ مَنْ وقع في طوفان نفسه حتى يجد الخلاص، وإليه الملجأ والمناص.