{وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ} أي: عن تبليغها بعد إنزالها ، والأمر بالصدع بها لضيق صدرك من مكرهم . فإن الله معك ، ومُعْلٍ كلمتك ومؤيد دينك . ولذا قال: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} أي: إلى عبادته وحده لا شريك له: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} .
قال القاضي: هذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين من مساعدته لهم . أي: لأنه لا يتصور منه ذلك حتى ينهى عنه . فكأنه لما نهاه عن مظاهرتهم ومداراتهم ، قال إن ذلك مبغوض لي كالشرك . فلا تكن ممن يفعله . أو المراد نهي أمته ، وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم . كذا في"العناية".
{لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي: إياه والوجه يعبر به عن الذات كما قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام} [الرحمن: 26 - 27] ، وفي قوله تعالى: {هَالِكٌ} وجوه: حمله على المستقبل ، أو هو عرضة للهلاك والعدم ، أو هالك في حد ذاته ، لأن وجوده ليس ذاتياً بل لاستناده إلى واجب الوجود ، فهو بالقوة وبالذات معدوم حالاً . والمراد بالمعدوم ما ليس له وجود ذاتي . لأن وجود غيره كلا وجود . إذ هو في كل آن قابل للعدم . وعن مجاهد والثوريّ: إلا وجهه أي: ما أريد به وجهه . حكاه البخاري في"صحيحه".
قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:
أستغفرُ الله ذنباً ، لست مُحْصِيَهُ رَبُّ العبادِ ، إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
قال ابن كثير: وهذا القول لا ينافي القول الأول . فإن هذا إخبار عن كل الأعمال ، بأنها باطلة ، إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة . انتهى .