وقيل: سمى السنة عامًا لعوم الشمس في جميع بروجها. والعوم السباحة، ويدل على معنى العوم قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
فَإِنْ قُلْتَ: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟
قلت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإِسلام، فقال الله سبحانه له: إن نوحًا لبث هذا العدد الكثير، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. اهـ"رازي".
فَإِنْ قُلْتَ: ما فائدة العدول إلى ما قاله عن تسع مائة وخمسين مع أنه عادة الحُسَّاب؟
قلت: عدل إلى ما قاله؛ لأن: الاستثناء يدل على التحقيق، وتركه قد يُظنُّ به التقريب، فهو كقول القائل: عاش فلان مائة سنة، فقد يُتوهم السامع أنه يريد مائة سنة تقريبًا لا تحقيقًا. فإن قال: مائة سنة إلا شهرًا .. زال ذلك التوهم وفُهم منه التحقيق، الاستثناء من الألف استُدل به على جواز الاستثناء من العدد، وفي كونه ثابتًا من لسان العرب خلاف مذكور في النحو، وقد عمل الفقهاء المسائل على جواز ذلك.
ومعنى الآية: فلبث بين أظهرهم تسع مائة وخمسمين سنة يخوِّفهم من عذاب الله، ولا يلتفتون إليه، وإنما ذكر الألف تخييلًا لطول المدة إلى السامع؛ أي: ليكون أفخم في أذنه، ثم أخرج منها الخمسين إيضاحًا لمجموع العدد.
والفاء في قوله: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} للتعقيب؛ أي: أغرقهم عقيب تمام، المدة المذكورة الماء الكثير، المحيط بهم، المرتفع على أعلى جبل أربعين ذراعًا، أو خمسة عشر ذراعًا. {وَهُمْ ظَالِمُونَ} ؛ أي: والحال أنهم مستمرون على ظلمهم وكفرهم.
قال ابن عباس: مشركون، والطوفان - كما سيأتي - يُطلق على كل ما يطوف بالشيء ويحيط به، على كثرة وشدة وغلبة، من السيل والريح والظلام والقتل والموت والطاعون والجدري والحصبة والمجاعة، وقد غلب على طوفان الماء، وقد طاف الماء ذلك اليوم بجميع الأرض، والحال أنهم مستمرون على الظلم والكفر، لم يستمعوا إلى داير الحق هذه الدة المتمادية، ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح، وذكَّرهم هذه المدة بطولها