فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ غاير بين الأسلوبين، حيث عبَّر في قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} صيغة الفعل، وفي قوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} بصيغة اسم الفاعل؟
قلت: فيه نكتة، وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل، ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإِسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر عن حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، اهـ"زاده".
وقرأ الجمهور: {فَلَيَعْلَمَنَّ} بفتح الياء واللام في الموضعين؛ أي: ليظهرن الله الصادق والكاذب في قولهم، ويميز بينهم، وقرأ علي ابن أبي طالب وجعفر بن محمد في الموضعين: بضم الياء وكسر اللام من أعلم الرباعي، وقرأ الزهري الأولى: كقراءة الجماعة، والثانية: كقراءة علي، ذكره أبو حيان.
والمعنى عليه: فليعلمن الطائفتين في الآخرة بمنازلهم، أو يُعلمُ الناس بصدق من صدق، ويفضح الكاذبين بكذبهم، أو يضع لكل طائفة علامة تشتهر بها، وتتميز عن غيرها.
4 -وأم في قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ} منقطعة، فتقدر بالهمزة التي للاستفهام التوبيخي، وببل التي للإضراب الانتقالي من قصة إلى قصة، فالكلام انتقال من توبيخ الأول، على حسبانهم بلوغ الدرجات من غير مشاق، بل بمجرد الإيمان،
فانتقل منه إلى توبيخ أشد، وهو حسبانهم أن يفوتوا عذاب الله ويفروا منه، وهم وإن لم يحسبوا أنهم يفوتونه تعالى، ولم يحدثوا نفوسهم بذلك، لكنهم حيث أصروا على المعاصي، ولم يتفكروا في العاقبة، نُزِّلوا منزلة من يحسب ذلك، كما في قوله تعالى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} .
أي: بل أظن الذين {يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} ؛ أي: الشرك والمعاصي {أَنْ يَسْبِقُونَا} ؛ أي: أن يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون، وهو ساد مسد مفعولي حسب، لاشتماله على مسند ومسند إليه؛ أي: بل أحسب المشركون أنهم يفرون منا، ويفوتون عذابنا فلا نقدر على مجازاتهم بعصيانهم {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ؛ أي: بئس وقبح الحكم الذي يحكمونه، حكمهم ذلك، وهو سبقهم إيانا وهربهم منا، فحُذف المخصوص بالذم.