وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}
يَقُولُ: وَمَنْ يُجَاهِدُ عَدُوَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى جِهَادِهِ، وَالْهَرَبِ مِنَ الْعِقَابِ، فَلَيْسَ بِاللَّهِ إِلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ حَاجَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، لَهُ الْمَلِكُ وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَصَحَّ إِيمَانُهُمْ عِنْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَفِتْنَتِهِ لَهُمْ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا عَنْ أَدْيَانِهِمْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي شِرْكِهِمْ {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}
يَقُولُ: وَلَنُثِيبَنَّهُمْ عَلَى صَالِحَاتِ أَعْمَالِهِمْ فِي إِسْلَامِهِمْ، أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي حَالِ شِرْكِهِمْ مَعَ تَكْفِيرِنَا سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} فِيمَا أَنْزَلْنَا إِلَى رَسُولِنَا {بِوَالِدَيْهِ} أَنْ يَفْعَلَ بِهِمَا {حُسْنًا}
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ الْحُسْنِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: نُصِبَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّةِ تَكْرِيرِ وَصَّيْنَا. وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ، وَوَصَّيْنَاهُ حُسْنًا، وَقَالَ: قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ وَصَّيْتُهُ خَيْرًا: أَيْ بِخَيْرٍ.