فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود - ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم؛ فلا يختلط في حسّهم أبدا عالم الفناء الصغير، وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة، وجهد الاحتمال ... إن الله في حسّ المؤمن لا يقوم له شيء، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله ... وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق).
كلمة في السياق:
بهاتين الآيتين أعطانا الله عزّ وجل الميزان الذي يعرف به الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، ترك الإسلام خوف الإيذاء، أو عند الإيذاء، وليس المراد بذلك الترك الاضطراري مع بقاء الصدر منشرحا بالإسلام، وهكذا نجد السياق حتى الآن قد فصّل لنا من مقدمة سورة البقرة موضوع علامة الصدق بالإيمان بالغيب، والكذب فيه. والآن يصل السياق إلى الحديث عن المحاولات التي يحاولها الكافرون لصرف أهل الإيمان.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا أي ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتّبعوا طريقنا الذي نحن عليه وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أي وعلينا وفي رقابنا آثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال الله تكذيبا لهم وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي فيما قالوه إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنّه لا يحمل أحد وزر أحد
وَلَيَحْمِلُنَّ أي هؤلاء الدعاة إلى الكفر أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ أي أوزار أنفسهم، وأوزارا أخر، بسبب ما أضلّوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يختلقون من الأكاذيب والأباطيل.
فوائد:
1 - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ .. ]