إلى إنكار حسبان الذين يعملون السيئات أن لا نجازيهم على سيئاتهم وهو أبطل من الحسبان الأَول، وقد عمم بعضهم فحمل السيئات على الكفر والمعاصي. وتكون الآية على هذا في المشركين وعصاة المؤمنين، وهم وإن لم يحسبوا أن يفوتوه - تعالى - ولم تطمع نفوسهم في ذلك لكن نُزِّل جريهم على غير موجب العلم بالجزاءِ من الغفلة وإصرارهم على المعاصي منزلة من لم يتيقن الجزاء.
والمفهوم من السياق، ومن سبب النزول: أن الحسبان الأول كان من المؤمنين، وهذا الحسبان من الكافرين، وبهذا أخذ ابن عباس - رضي الله عنهما -. فقد روى أنه قال: يريد - سبحانه - بالذين يعملون السيئات الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص ابن هشام، وشيبة وعتبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط. وحنظلة ابن وائل، وأنظارهم من صناديد قريش.
وهذا لا يمنع أن الآية تعم جميع من يعمل السيئات؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والمعنى الإجمالي للآية: أظنَّ الذين يرتكبون السيئات من الكفر والمعاصي أن يفوتونا، ويهربوا من حسابنا فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم، لقد ظنوا كذبا، وحسبوا باطلا، وحكموا فاسدًا {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} : أي بئس الحكم الذي يحكمونه هذا الحكم.
{مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) }
المفردات:
{يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ} : يتوقع ملاقاة جزائه، أو يخاف.
{أَجَلَ اللهِ} الوقت الذي حدده وعينه. {جَاهَدَ} : غالب نفسه وقهرها على الطاعة.
التفسير
5 - {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :
المعنى: من كان يتوقع ملاقاة جزائه ثوابًا أو عقابًا: فليبادر إلى ما يحقق رجاءه، ويؤمن خوفه، وليختر من الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب، وجميل العاقبة، وليحْذر ما يسوقه إلى سوء العاقبة كقوله - تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .